إنجيل اليوم: “هَا هُوَ حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَم”

إنجيل القدّيس يوحنّا ١ / ٢٩ – ٣٤

في الغَدِ (بعد شهادة المعمدان) رأَى يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَال: «هَا هُوَ حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَم.
هذَا هُوَ الَّذي قُلْتُ فِيه: يَأْتِي ورَائِي رَجُلٌ قَدْ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلي.
وأَنَا مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ، لكِنِّي جِئْتُ أُعَمِّدُ بِٱلمَاء ِ لِكَي يَظْهَرَ هُوَ لإِسْرَائِيل».
وشَهِدَ يُوحَنَّا قَائِلاً: «رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً كَحَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاء، ثُمَّ ٱسْتَقَرَّ عَلَيْه.
وأَنَا مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذي أَرْسَلَنِي أُعَمِّدُ بِٱلمَاءِ هُوَ قَالَ لي: مَنْ تَرَى الرُّوحَ يَنْزِلُ ويَسْتَقِرُّ عَلَيْه، هُوَ الَّذي يُعَمِّدُ بِٱلرُّوحِ القُدُس.
وأَنَا رَأَيْتُ وشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ٱبْنُ ٱلله».

التأمل:”هَا هُوَ حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَم”

الأحد الأول بعد عيد الدنح.

الدنح ويعني الظهور، الشروق، من الكلمات السريانية النادرة التي استطاعت أن تصمد في وجه تعريب الثقافة والشعب في لبنان. ليت بعض الصحافيين اللبنانيين يعيدون استخدام كلمات لبنانية من أصل سرياني في نصوصهم، بدل نشر تعابير خليجية وترويجها عبر كل وسائل الاعلام. المحافظة على حد أدنى من الميزات الثقافية، من أهمها الخصوصية اللغوية، إذا كان لا يضمن، فهو يساعد كثيرا على الحفاظ على كياننا كشعب مسيحي ماروني من أصل سرياني و يذكرنا بدعوتنا للجهاد والشهادة للأصالة المسيحية.

“اليوم التالي… ورائي رجل صار قدامي… كان قبلي… الحمل… خطيئة العالم”، هل يتحدث إنجيل يوحنا بالالغاز؟

نستطيع أن نتخيل يوحنا الإنجيلي مفعم بالعواطف عندما يأتي على ذكر هذه الشهادة. كيف لا وهو التلميذ الآخر الذي تبع يسوع برفقة اندراوس، بعد سماع إعلان المعمدان “ها هو حمل الله”.

لم يحتاج يوحنا للكثير من الوقت حتى يرى الظهور الإلهي عند إعلان المعمدان “ها هو حمل الله”. وكل إنجيل يوحنا يتمحور حول هذا الظهور.

لذلك عندما نقترب من إنجيل يوحنا نجد أنفسنا أمام كم هائل من الأسرار المعلنة، الخفية الظاهرة، كلما بحثنا أكثر كلما فهمنا اكثر، وكلما قرأنا من جديد كلما انكشف لنا سر جديد، وكأن الروح القدس يتدفق من الإنجيل كنبع لا ينضب.

لا نستغرب أن كل “كلمة” في انجيل يوحنا تحمل معاني كتاب بأكمله.

في نص اليوم يعلن الكاتب “في اليوم التالي”، على لسان المعمدان، بأربع كلمات، هوية ورسالة المسيح: “ها هو حمل الله الذي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَم”(آية ٢٩). ما هذا اللغز ؟

وبما أن معرفتنا للكتاب المقدس محدودة، نحن اليوم بحاجة الى شرح كثير لنفهم ابسط الامور. ربما عبارة “حمل الله” بالنسبة لكثير منا لا تعني شيئاً. سيّما وأننا في الطقس الماروني حصرنا قراءات العهد القديم فقط في مناسبات الأعياد الكبيرة.

أما الذين اضطلعوا على العهد القديم، فكلمة “حمل” تذكرهم بروايات وأحداث تدخل في صميم التاريخ الخلاصي، وتعابير ورموز  ظهر من خلالها الايمان.

هل يجيب المعمدان في إشارته “ها هو حمل الله” على السؤال الذي وجهه إسحاق لابيه إبراهيم: “هنا النار والحطب فأين الخروف للمحرقة؟”.(تك ٢٢، ٧)، او يريد ان يدلنا على حمل الفصح الذي أمر به موسى (خر ١٢، ١ …)، او يشير  إلى عبد الله المتألم الذي شبهه اشعيا “كحمل سيق الى الذبح وبالخروف امام الجزاز لم يفتح فاه”. (اش ٥٢، ١٣).

“ها هو حمل ألله…الروح يستقر عليه… سيعمد بالروح القدس… إنه إبن الله”.

الذين سمعوا يوحنا يصرخ هذه الكلمات الممتلئة معاني، اليهود، الكهنة، اللاويين والشعب كله، لا شك أنهم فهموا العلاقة بين كلام المعمدان وكتاب أشعيا. لا يوجد أي لغز بالنسبة إليهم، لانهم يعرفون الكتاب المقدس. ولكن لم يكن باستطاعة الجميع التعرف على يسوع : إبن الله. لسبب واحد وهو محور رسالة يوحنا المعمدان. “هيئوا طريق الرب”. لأن الخطيئة تمنع اي اتصال بالله وتحجب رؤيته. “لكن آثامكم فصلتكم عن إلهكم، وخطاياكم حجبت وجهه” (اشعيا ٥٩، ٢) لذلك جاء السابق يصرخ في البرية يدعوا الناس الى التوبة “قوّموا طريق الرب”.

الخلاصة:

مشاهدة يسوع والتعرف عليه كإبن الله تشترط قلبا طاهرا. “طوبى لانقياء القلوب فإنهم يعاينون الله”. سمعان الشيخ و حنة الأرملة الطاعنة في السن لم يحتاجا لمساعدة للتعرف على يسوع.

إلا أن حمل الله هذا لا يستر الخطايا مثل ذبائح التكفير لكنه يزيل الخطايا نهائيا.

ولكن من يستطيع أن يحفظ قلبه طاهرا ؟

في رسالة اليوم يصف لنا بولس نوع الحرب التي يخوضها كل مؤمن:  “أَجَل، إِنَّنا نَحْيَا في الجَسَد، ولكِنَّنا لا نُحَارِبُ كَأُنَاسٍ جَسَدِيِّين. لأَنَّ أَسْلِحَةَ جِهَادِنا لَيْسَتْ جَسَدِيَّة، بَلْ هيَ قَادِرَةٌ بِٱللهِ عَلى هَدْمِ الحُصُونِ المَنِيعَة؛ فإِنَّنا نَهْدِمُ الأَفْكَارَ الخَاطِئَة، وكُلَّ شُمُوخٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ ٱلله، ونَأْسُرُ كُلَّ فِكْرٍ لِطَاعَةِ المَسِيح.” تكلم بولس كثيرا عن الجهاد في رسائله. ودائما كان تعليمه واضحا، يتكلم عن جهاد فكري ضد أفكار الشر.

نحن، الذين نلنا الروح القدس بالميعاد على إسم يسوع، إذا كان قلبنا غير طاهر، قد نشاهد يسوع سبعون مرة كل يوم ولكننا لن نستطيع التعرف إليه بسبب خطايانا. والذي لا يشعر أنه في حرب ضد الخطيئة عليه أن يعيد النظر في مبادئه ومواقفه لانه قد يكون صديق الخطيئة. لأن الكتاب يقول  ” يَا بُنَيَّ، إِنْ أَقْبَلْتَ لِخِدْمَةِ الرَّبِّ الإِلهِ، فَاثْبُتْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَعْدِدْ نَفْسَكَ لِلتَّجْرِبَةِ”.  (سفر يشوع بن سيراخ ١، ٢) أي أن لا خيار في الجهاد ضد التجربة لكل من استعد لخدمة الرب.

لأن الشرير لا يحب أن يرى إنسانا يسعى إلى طاعة الله بالبر، فهو سيحاول شتى الطرق لإبعاده.

هذا يعني اننا مجبرون على اليقظة لحراسة فكرنا.
الحكيم فينا هو الذي يعرف ان يقطع أصول الشر من فكره قبل أن يستولي على قلبه ويقوده إلى فعل الإثم. ويقول البابا فرنسيس في هذا السياق: ” لا تحاول الحوار مع الشرير، لأنه قوي وسيغلبك حتما”. واسحق السرياني : “لن تستطيع الامتناع عن فعل الخطيئة ما لم تكره سببها”.

ومن يشاهد المسيح النور الحق، لا يقدر إلا أن يؤدي له الشهادة على مثال المعمدان “ها هو حمل الله”. فتصبح حياته شهادة أي علامة تدل على المسيح، ليس بأعمال خارقة للعادة إنما نور المسيح ينعكس من خلال اعماله اليومية البسيطة.

في هذا المعنى للجهاد والشهادة، الحياة المسيحية هي بامتياز… جهاد وشهادة.

أحد مبارك

العودة إلى الصفحة الرئيسية

See original – 

إنجيل اليوم: “هَا هُوَ حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَم”

Share Button