الأب ثاوذورس داود يكتب: عروبة … أنت طالق بالثلاث بعد الألف فأنا لا أستطيع الإحتمال…

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar) ألف عام وأنا كاتم في صدري هذا الضيق. دهراً بعد دهرٍ وأنا أحاول أن أتكيف مع زواجٍ قسري  كان مهره ألف  ناقة وألف حصان وألف عنزة وألف وعدٍ بالرحمة  والبركة والخصب والمروءة  والكرم والرفاهية والوفاء ، لكن وبعد ألف عام من الكذب والقهر والعار اكتشفت أن رحمتك ظلمٌ وبركتك لعنةٌ وخصبك عقمٌ  ومرؤتك جبنٌ وكرمك خوفٌ ورفاهيتك تخلف ووفاءك خيانة ؛ فيا عروبة  آن الأوان لأخلعك من وجداني وماضيّ وحاضري  ومستقبلي غير ًنادمٍ إلا على طيبتي ووقتي الذي أضعته محاولا ً مساعدتك لتصيري إنسانةً لكن صح فيكِ المثل الشعبي  : “بحطِّك  عالرّف بلاقيكي بين الصرامي .”  فيا عروبة ، أنت طالقٌ ، طالقٌ ، طالق.  أني أطلّقكِ على سنّة الكرامة والشرف وها أنا راجع إلى أهلي وتاريخي وشرفي وحضارتي ومشرقي. ها أنا راجع إلى إنسانيتي ومجد آبائي فأركب النيل مفتقداً الحضارة في دارها ، ثم أُبحر إلى جبيل لأكتب المجد في لبنان وأَزور التاريخ في دمشق ومنها إلى العراق مفتقداً الفرات حارس الشرائع  وبعدها أحجّ إلى نهر الأردن متطهّراً فيقذفني إلى القدس لأتقدس وأتألّه بالدم الذي أهرق  على ترابها ففتح أبواب الملكوت.

‎هذا الزواج لم أُرده يوماً ، لقد حصل بالإكراه  لذا فهو شرعاً باطل. ليس ثمة ما يجمعنا فأنت وأنا ننتمي إلى بيئتين غير متشابهتين وعائلتين مختلفتين، عائلتي متحضرة، مثقفة وعلى خُلُقٍ ولكن عائلتك -سامحيني القول- متخلًّفة وجاهلة ومتآمرة لا بل وفخورة بتخلفها وبجهلها وبتآمرها. لكن ولكي أكون -منصفاً- عندها طيبة وهذه الطيبة هي التي جعلتني أسكت وأصبر وأصبر ولكن يا عروبة أعذريني، لقد نفذ الصبر وصاح الديك.

‎طبيعتي الطيبة والمسامِحة  جعلتني أحتمل هذا الزواج القسري أو هذا الاغتصاب  البشع الطويل قائلاً في نفسي عساها تتغير ، عساها تتحضّر، فنصحتك بالعلم وترجمت لك الكتب وعلّمتك الفنَ والموسيقى وأسمعتك فيروز وشرحت لك عن الجمال والحرية َ وسألتُ نزاراً أن يعلّمك فكتب لك قصائد، ولكنك أحرقت الكتب وأحرقت قلب فيروز ونزار معاً. آثرت السيف على الكتابة والأميّة على العلم . بدّلت العود بالربابة ،أكرمت الناقة والخيل أكثر مما أكرمت أولادك وما استطعتِ أن تفهمي يوماً قيمة الجمال ولا قيمة الحرية ولا قيمة المحبة؛

‎ومع كل ذلك لم أيأس لأني أؤمن بالمحبة  وبالأمل ، وأؤمن أن المحبة -كما الإيمان- تنقل الجبال فكرّرت  التعليم والنصح لأني سمعت أن التكرار يعلّم الثقيلي الذهن  ولكن طبيعتك الغليظة الذهن  غلبت كلِّ علمٍ ونُصحٍ وبدل أن تصعدي معي جبال المعرفة لتعايني النور نقلتِ الرمال  وأثقلت الجبال  وأضعت الأمل فطال الليل  وهاجر الديك.

‎هل غرَّكِ  غنى أهلك الفاحش بعد اكتشافهم النفط  واستولوا عليه وحرموا أصحابه منه ؟ ليتهم ماتوا بغرور المتنبي ببعض كرامة ولا تركوا هذا الكنز الأسود يسوّد وجوههم ووجهك في الدنيا والآخرة.

‎ماذا أفادك هذا الغنى غير أنه فتح عيون الناس عليك ليروا أسواءك وأحقادك ؟ لماذا لم تستغليه للبنيان؟ بنيان ذاتك وماضيك وحاضرك  ومستقبلك وبنيان قليل من الكرامة والأحترام والسمعة الشريفة بين الأمم ؟ عوض ذلك اندفعت يا جاهلة مع مالِك اللعين إلى خمّارات الليل لتحترفي الزنى، آه يا زانية كم أشعر بالعار لأن العالم لا يعرف أني طلّقتك ولا يزال يعيّرني فيكِ.

‎أينما ذهبتُ في أمريكا وأوروبا وفي كل أصقاع الأرض  أرى زبائنك ، إنهم تافهون مثلك وأشرار ومحترفي شرٍ، لن أدعوهم عشّاقاً لأن العاشق يحب، هم زناة  أيضاً، أذكياء ومستغلّون لغبائك ولثروة أهلك ، هؤلاء هم زبائنك وأنت زانيتهم، إنك الزانية الوحيدة التي  تزني بدون مقابل لا بل تدفع لزبائنها ، تارة تدفعين بالدولار وتارةً أخرى بالنفط  وطوراً بالتآمر على إخوتك وأخواتك وجيرانك أهل الحضارة والتاريخ والفن الجمال ، فقط لأنهم يُظهرون بشاعتك وجهلك وتخلّفك ، وفي كل هذا  تُراكمين  عاراً فوق عارٍ على جبال عارك .

‎ لا أستطيع أن أنكر أن قرار الطلاق هذا مؤلم ، فنحن جمعنا ماضٍ واحد لأكثر من ألف عام ،وكل ماضٍ بقبحه أو جٍيْدِه يصير جزءاً من ذاكرتنا لكن المستقبل يا عزيزتي أهم من الماضي ولكي يكون مجيداً يجب أن يبدأ بحاضرٍ مَجِيد لذا اتخذت هذا القرار. وإذا صعُب عليّ بنيان هذا المستقبل الحلم يكفيني أن أعيش بذكريات أهلي التي عمرها آلاف من السنين على أن أعيش معك حاضراً من العار.

‎عروبة ، لا تظني البتة أني طلّقتك  من أجل الدين، لا أبداً ، إنما من أجل الكرامة، فمن ليس عنده كرامة لا قيمة لدينه  وهو عارٌ على الله وعارٌ بين الأمم.

‎إنه الفجر وقد لاح النور في الأفق، سيصلك كتاب الطلاق بعد صياح الديك بتوقيت المشرق.

‎أتمنى لك الخير والكرامة.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

Original source:  

الأب ثاوذورس داود يكتب: عروبة … أنت طالق بالثلاث بعد الألف فأنا لا أستطيع الإحتمال…

Share Button