ماذا قال الإنجيل عن زواج الكهنة؟

image

Andrea Nissolino / Flickr / CC

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar)  تختلف الكنيسة الكاثوليكيّة مع الكنيسة الأرثوذكسيّة والكنائس البروتستانتيّة في نظرتها إلى زواج خدام الكنيسة من الكهنة والقسس. وتستند كل من هذه الكنائس إلى تفاسيرها لنصوص العهد الجديد التي تتعلق بهذا الأمر، فبينما تسمح الكنائس البروتستانتيّة الزواج للقسس بمختلف مناصبهم، لا تمانع الكنائس الأرثوذكسيّة في قبول المتزوجين في سلك الكهنوت ولكنها لا تسمح لهم بتبوّء المناصب العليا كمنصب المطران أو البطريرك. أمَّا الكنيسة الكاثوليكيّة فهي على نقيض الكنائس الأخرى، لا تقبل إلاّ غير المتزوجين لكل المناصب الدينيّة باستثناء حالات معينة سُمِحَ فيها للكنائس الكاثوليكيّة الشرقية بقبول بعض المتزوجين حين تكون هناك حاجة ماسة لسد النقص في عدد الكهنة وخاصة في القرى.

إن اللجوء إلى الإنجيل للبحث في مدى صحة موقف أي من الفئات من هذه القضية هو بالتأكيد أمرًا  ليس سهلاً لا بل قد يكون عقيمًاً. فلو كان الأمر على ما يتصوره البعض من سهولة لكان الفرقاء قد توصلوا إلى حل له منذ أمد بعيد. إنه أمر ككل الأمور الأخرى التي تختلف فيها الكنائس المسيحيّة حيث تنظر كل منها إلى نصوص الكتاب بمنظار مختلف.

الإنجيل بفصوله الأربعة، متى ومرقس ولوقا ويوحنا لم يذكر شيئاً من أقوال للمسيح تشير إلى ضرورة بتوليّة خدام الكنيسة. لا بل عل العكس، فإننا رغم كوننا لا نعرف الشيء الكثير عن الوضع العائلي لكل من الاثني عشرة الذين اختارهم المسيح تلاميذ له، فإن الإنجيل يشير إلى أنَّ واحداً منهم على الأقل كان متزوجاً وهو بطرس الذي اصبح فيما بعد، حسب التقليد، أول رأس للكنيسة: “وجاء يسوع إلى بيت بطرس، فرأى حماته ملقاةً على الفراش محمومة. فلمس يدها ففارقتها الحمَّى، فنهضت وأخذت تخدمه” ( متى 8 : 14 – 15 ) وفي هذا النص، نجد ما يشجعنا على الاعتقاد بأن المسيح لم يقتصر في اختياره لتلاميذه على غير المتزوجين.

الرسائل المتبادلة بين الرسل وتلاميذهم تضمنت أكثر مما تضمنته كتب الإنجيليين الأربعة من إشارات إلى هذا الموضوع:

–  أَما لنا حقٌّ أن نستصحب امرأةً مؤمنة كسائر الرسل وإِخوة الربِّ وصخر؟ أَم أَنا وحدي وبرنابا لا حقَّ لنا أَلاَّ نعملَ؟ (1كور 9 : 5 – 6 )

– وأمَّا ما كتبتم به إليَّ، فيحسن بالرجل أَن لا يمسَّ المرأة، ولكن، لتجنبِ الزنى، فليكن لكل رجل امرأته ولكل امرأةٍ زوجها. (1كور 7 : 1 – 2 )

– وأقول هذا من باب الإجازة، لا من باب الأمر، فإنِّي أودُّ لوكان جميع الناس مثلي. ولكنَّ كلَّ إنسانٍ ينال من الله موهبته الخاصة، فبعضهم هذه وبعضهم تلك. (1كور 7 : 6 – 7 )

– إنه لقول صدقٍ أنَّ من رغب في الأسقفيّة تمنى عملاً شريفًا. فعلى الأسقف أن لا يناله لوم، وأن يكون زوج امرأةٍ واحدة، وأن يكون قنوعًا رزينًا مهذبًا مضيافًا، أهلاً للتعليم، غير مدمن للخمر ولا مشاجرًا، بل حليمًا لا يخاصم ولا يحبُّ المال، يحسن رعاية بيته ويحمل أولاده على الخضوع بكل رصانة. فكيف يُعنى بكنيسة الله من لا يحسن رعاية بيته؟ (1تيم3 : 1 – 5 ).

الغاية من الإستشهاد بهذه النصوص لم يكن فتح باب الجدال لإثبات صحة أو خطأ أحد الأطراف، إنما كان ذلك لإعطاء فكرة عما تضمنه كتاب العهد الجديد من نصوص تتعلق بهذا الأمر. لِذا، فإني سأترك الجدل حول تفسير الحروف والكلمات لغيري فأناقش الموضوع من وجهة نظر اجتماعية واقعية وعملية، وعلى ذلك، فإني أستهل نقاشي بالسؤال التالي: ما هي حسنات ومساوئ زواج الكهنة والقسس، حتى بمن فيهم أصحاب المناصب العليا؟

كي لا تكون إجابتي على هذا السؤال منطلقة من رأيٍ شخصيٍّ بحت، فقد قمت بطرحه مراراً وفي مناسبات مختلفة على العديد من رجال الدين الكاثوليك والعلمانيين. ولم يكن أمراً مفاجئاً البتة أن أرى كل الذين طرحت عليهم السؤال يتفقون على عدم وجود أية جوانب سيئة لزواج رجال الدين، لا بل ذهب كثيرون منهم إلى أبعد من ذلك ورأوا في هذا الزواج أمراً ليس حسناً فقط إنما ضرورياً ومطلوباً. إذن، لنستعرض حسنات هذا الزواج في غياب ذكر أية مساوئ له.

1- الزواج رادع أخلاقي

لرجل الدين المتزوج واجبات أخلاقية تجاه زوجته وأولاده يشعر بضرورة مراعاتها والحفاظ عليها أكثر مما يشعر به رجل علماني متزوج. عندما تكون الفضيحة متعلقة برجل دين فهي دائماً أكبر وأعظم مما هي عليه حين تتعلق برجل علماني، فكيف يكون الأمر إذا كان رجل الدين متزوجاً!.. لا شكّ في أن رجل الدين المتزوّج سيحسب ألف حساب قبل أن يقوم بأي تصرّف لا أخلاقي. إنَّ موقفه لن يكون صعباً فقط أمام أبناء رعيّته الذين قد يتخلّص من مواجهتهم بالانتقال إلى بلد أو مدينة أخرى، بل سوف يواجه العار أمام عائلته التي سوف ترافقه أينما حلّ سواء بقي في سلك الخدمة الدينية أم لم يبقَ.

2- الزواج حاجة بشرية

رجل الدين إنسان كأي إنسان آخر معرض للتجارب وغير معصوم عن الخطأ. وهو أيضاً إنسان كأي إنسان له مشاعره وإحساسه الجنسي، والزواج لا ريب في أنه يلبي حاجاته من حيث أنه يمنحه قدرة أكبر على مقاومة مغريات الجنس.

3- الزواج مدرسة

رجل الدين المتزوج الذي يعرف كيف يرعى شؤون أسرته ويحافظ على سمعتها ومصالحها هو بدون أدنى شك قد كسب خبرة جيدة لرعاية الأسرة الكبيرة التي تشكلها الرعية. إنه أدرى بمشاكلهم وأحوالهم وطموحاتهم وخلافاتهم. وبذلك يمكنه بواسطة المركز الذي يتمتع به أن يتداخل بينهم ويساعدهم على حل مشاكلهم.

4- الزواج مفتاح لعلاقات اجتماعية جيدة

بناء على ما تقدم، فإن شـعور النـاس بالراحة والاطمئنان، سـيكون شعوراً أفضل لوجود رجل دين، صاحبِ عائلـة، أبٍ وزوجٍ وربما جدٍّ، مع أولادهـم وبناتهم، وفي بيوتهم وفي حفلاتهم وغير ذلك من الأمكنة والمناسـبات. هنا لا بد من الاسـتدراك بالقول أن هذا لا يعني أبداً انتقاصاً لمكانة كل رجال الدين غير المتزوجين، إذ أنَّ هناك منهم من بلغ في عفّـته ومحافظته على نذوره الأخرى مرحلة القداسـة. هؤلاء تمتعوا بالموهبـة التي تحدث عنها بولس الرسـول في رسالته إلى أهل كورنثوس حيث قال: فإنِّي أودُّ لوكان جميع الناس مثلي. ولكنَّ كلَّ إنسانٍ ينال من الله موهبته الخاصة، فبعضهم هذه وبعضهم تلك. (1كور 7 : 6 – 7 )

ربما كانت بتوليّة المبشرين وخدام الكنيسة في مطلع المسيحيّة وفي العصور اللاحقة أمراً مستحسناً على الأغلب لسبب واحد مهم. ذلك السبب كان سفر هؤلاء المستمر من مدينة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر وبالتالي فإنه لم يكن من السهل أن يقوم المبشّر بواجباته في رعاية وخدمة أسرته وهو على ما هو عليه من تنقل دائم. كانت المسافات بعيدة جداً ووسائل النقل بطيئة إضافة إلى الأخطار التي كان يتعرّض لها المسافرون. بتوليّة المبشرين لم تكن هي الغاية بحد ذاتها لإرضاء الله بل كانت وسيلة لخدمته، ولكنها رغم ذلك، وحسب ما توحي به نصوص العهد الجديد، لم تكن أمراً مفروضاً بل اختيارياً.

للراغبين بالصّلوات اليوميّة تابعونا عبر صفحة

Aleteia Ar – Daily Prayers

للراغبين بمتابعة اخبار المسيحيين في العالم تابعونا عبر صفحة

Aleteia Ar – Latest Christian News

للراغبين بمتابعة أخبار البابا والفاتيكان تابعونا عبر صفحة

Aleteia Ar – Vatican News

العودة إلى الصفحة الرئيسية

From:  

ماذا قال الإنجيل عن زواج الكهنة؟

Share Button